نيس في عيد الاستقلال

نيس في عيد الاستقلال

ذهبت إلى باريس في شهر كانون الأول الماضي مستقلاً سيارتي الصغيرة، حملت فيها لوحاتي لعرضها في إحدى صالاتها. وقبل عودتي من هناك، خرجت إلى السوق مع ابنة عم لي، لا تعرف عن بلدها الأم غير الشام وضيعتنا (وطبعاً أحبت هناك التبولة والحمص ككل الفرنسيين أو الأجانب)، وتبضعت حينها هدايا للأولاد وبعض الحلوى التي لا يعرفها السوق الألماني، بسكويتات فرنسية تقليدية و... علبة ملح! عندما رأت شانتال، وهو اسمها، أنني وضعت في السلة علبة الملح هذه صرخت متعجبة: تحمل معك الملح إلى ألمانيا، "عم تمزح؟ باك شي"؟

لم أكن أمزح، في ألمانيا ملح جيد وفاخر أيضاَ وسعره بسعر الفرنسي، لكنني حملت العلبة معي. ربما لو عدت عن طريق الجو لكنت حسبت الوزن فاستغنيت عنها ولكنها كانت مناسبة كي أضع في طعامي ملحاً فرنسياً وأن أرى دائما في مطبخي هذه العلبة الزرقاء التي رافقتني حوالي العشر سنوات قضيها هناك، أدرس وأتعلم وأعمل... حملتها كي أتذكر باريس وغيرها من المدن التي زرتها، بيتي الصغير هناك، أصدقاء الغربة، الجيران، أهالي أصدقاء أبنائي في المدرسة، أستاذي بويّون وطلابه، مولود صديقي الجزائري التي ساعدني كثيرا في كتابة أطروحتي وكثير من الأشخاص الذين تعرفت عليهم هناك...

هؤلاء كلهم عرفوا البارحة حزنا عميقا وعاشوا رعباً حقيقيا، كالذي تعيشه شعوبنا في البلدان التي تعرف الفوضى حاليا. لا تهمنا السياسة هنا، ما دور فرنسا في المنطقة وما يمكن أن يجر عليها هذا الدور من أخطار أو ويلات ليست من شأننا نحن الأفراد، الدم الذي يراق هو واحد، في نيس أو في باريس أو في بغداد أو في غيرها من المدن، والقاتل مهما تلون جلده يبقى لونه أسود، كما هو قلبه وفكره.

سأضع القليل من الملح في كفي وأذروه في أرض الحديقة المجاورة لبيتي علّه، عندما يحين الموسم، يخرج شجرة باسقة.


Tags: Nice
Rate this article:
No rating
Print

Please login or register to post comments.

Name:
Email:
Subject:
Message:
x