«September 2019»
MonTueWedThuFriSatSun
2627282930311
2345678
9101112131415
16171819202122
23242526272829
30123456

من عمّان

من عمّان

بطرس المعري - بوابة الحضارات. ألأهرام


 كنت تتساءلين إن كنت سأقترب منكِ هنا، في عَمَّان، أكثر أم سأبتعد...

جغرافياً، بين هامبورغ وبين باب بيتك على الضفة الغربية من المتوسط، هناك طريق بسيط وسهل يصلني بك. ففي أي لحظة بإمكاني أن أطرقه بيدي، حاملاً في الأخرى طاقة من الورود. أما الآن، فبيني وبينك بحر كامل، جمال الأزرق فيه ونوارسه وقُبَلكِ الحلوة التي أرسلتِها لي فيه لا تُغيّر في الأمر شيئاً، ستبقى المسافة كبيرة... وفي الحالتين، أمر السفر مرهون بنيّة اللقاء.

 

ولعلني أقول إن عمّان، وعلى طريقتها، منحتني متعة أكبر في الشوق إليكِ. فالمدن الشرقية تعطي المرء إحساساً عالياً من غبطة الكتابة إلى المحبوب، دفء المكان مختلف. يصبح للحب عذريّة ممتعة يصنعها الخوف من عيون المارّة. (ولا أعرف لماذا، هناك في الغرب، يستبيحوا ويبتذلوا الأشياء الحميمية. يصنعون الخواء بأيديهم كي يذهبوا بعدها إلى الطبيب يشتكون الكآبة والقلق والوحشة.)

 

سأغادر المدينة المشرقية بعد دقائق وسأكون مساءً هناك، سأنتقل إلى غرفة أخرى، سيتغير علي التوقيت وحرارة الطقس وشكل السرير ونوع الوسادة، لكن، ما لن يتغير، وهذا أكيد، هو حاجتي إليك، إلى وضع "اسكتش" الحلم قبل الخلود إلى النوم، كي تكتمل اللوحة وأنا مغمض العينين عندما تبدئين بتوشيح الخطوط الأولى بألوان جناحيكِ.

 

***

نحب في زمن الموت ونموت حباً في ظل الحرب، كُتب علينا الفراق قبل أن نلتقي، كتبت علينا الحرب قبل أن نعي ما للحنين من دفء وطيبٍ.

وماذا بعد يا صديقتي/حبيبتي الغارقة في ذكريات حبها الأول وألمها الأول وخيبة أملها من تلمس الضوء في أصابع حبيبٍ لم يعرف متى يطفئ الضوء الوحيد في غرفتها.

لك كل هذا، سماء رمادية/ زرقاء/ مقمرة/ مشمسة/ مجنونة/ باردة/ ممطرة/ عاصفة/ مرعدة/ نجومها حمراء/ فضية/ ذهبية/ تفاحية. لك كل وجهات السفر، محطات لقتل الوقت والذكرى، لالتقاط حبات اللؤلؤ المتدحرجة على أطراف الشوارع النازلة من قاسيون باتجاه المدينة القديمة. لك محطات الغياب والحضور، نور الشام وهديل بردى الذي كان، كبرعم الحب الأول يدخل عروقك الطيبة.

لك كل هذا، طالما هناك انتظار وطالما في السماء مكان لعبور كلمات عاشق هشّ لا يقوى على تقبيلك في العلن.

***

أحلم أن أكتب لكِ يوماً، أيتها الدمشقية، قصيدة ما كي تنظري حينها إلى المرآة غير آبهة لمن لم يعرف يوماً كيف يصنع لكِ طائرة ورقية أو دولاب هوائي تركضين به في حواري حيّك الحميمية المتشابكة. ذلك الخيال الذي لم يعرفه الكثير من الشباب.

سأكتب لك الكثير من الشعر، وسيدرك الناس آنذاك أن الحب ما زال قادراً على التحريض على العمل وعلى بث الأمل في النفوس. سيعرف الناس أنه ما زال هناك فتيات جميلات يقارعن سموم الحروب فيجعلن من الوقت حركة تنثر العطر وتبذر الحقول. وأنتِ كذلك: نجمة القوافل، وشاحٌ طائرٌ كرف سنونو، أغنية تتردد في البال، طريق لا تنتهي من كثرة الحنين والصمت، قدر جميل يأتي مرّة واحدة كي نغتنمه حارساً لأحلامنا.


المصدر: بوابة الحضارات - الأهرام           

Print

Please login or register to post comments.

Name:
Email:
Subject:
Message:
x